نشأ الجيل Z في مصر في أعقاب انتفاضة 2011، ويبحث أبناؤه اليوم عن مساحة للتعبير عن أصواتهم.


ووفقًا لما نشره معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP) في 25 أغسطس 2026، فإن الاعتقاد الشائع بأن الجيل Z المصري «غير سياسي» يتجاهل الظروف التي نشأ فيها هذا الجيل. ويستعرض المقال كيف شكلت تداعيات انتفاضة يناير 2011، وعمليات القمع التي أعقبتها، وغياب المجال السياسي المفتوح، علاقة هذا الجيل بالسياسة والمشاركة العامة.


عندما انتشر خبر اعتقال قوات الأمن المصرية أكثر من 50 شخصًا لمشاركتهم في مجموعة إلكترونية مناهضة للحكومة، أعاد ذلك إلى الواجهة الانتقادات التي كثيرًا ما يوجهها البعض إلى الجيل Z في مصر، باعتباره جيلًا غير مهتم بالسياسة.


وطرح الناشط السابق الذي تحول إلى العمل المصرفي، فريد، هذا الاتهام خلال زيارة إلى مصر في وقت سابق من العام، محملًا الجيل Z مسؤولية عدم «حمل راية» ثورة 2011. وقد يبدو هذا الاتهام في ظاهره مجرد خلاف معتاد بين الأجيال، إلا أن الاعتقاد بأن الجيل Z في مصر يتسم بصورة استثنائية بالفردية وضيق الأفق وعدم الاكتراث بالقضايا السياسية والاقتصادية، ينتشر على نطاق واسع، سواء عبر الإنترنت أو خارجه.


لكن الاعتقالات نفسها تشير إلى خطأ هذا التصور؛ فلم يُعتقل هؤلاء الأشخاص بسبب اللامبالاة السياسية. فقد انضموا، بحسب الاتهامات، إلى مجموعة إلكترونية مصرية تحمل اسم «Gen Z002»، جمعت أكثر من 300 ألف تصويت إلكتروني يدعو إلى تغيير النظام في البلاد.


وجاء ذلك في سياق تأثر شباب الجيل Z بحملات تقدمية وشعبوية في الولايات المتحدة، إلى جانب حركات سياسية قادها شباب من الجيل نفسه في المغرب ونيبال.


وتشير هذه الواقعة ليس فقط إلى أن السياسة لم تختفِ من بين اهتمامات الشباب المصري، وإنما أيضًا إلى ارتفاع الكلفة التي قد يدفعها من يمارس النشاط السياسي.


جيل نشأ في ظل تداعيات ثورة 2011

 

يبلغ عدد أبناء الجيل Z في مصر نحو 19 مليون شخص، ويعيش هذا الجيل في ظل الإرث السياسي لأجيال أكبر سنًا كانت في قلب أكبر اضطراب سياسي شهدته البلاد منذ عقود، وهي انتفاضة 25 يناير 2011، المعروفة على نطاق واسع باسم الربيع العربي.


وكان معظم أبناء الجيل Z أطفالًا أو مراهقين صغارًا آنذاك، ولذلك لم يشاركوا في الحشد للانتفاضة. وبدلًا من ذلك، دخلوا مرحلة النضج في أعقاب هزيمتها عام 2013، عندما أعادت الدولة فرض هيمنتها عبر حملات قمع غير مسبوقة وإغلاق المجال السياسي في مصر.


وقمعت السلطات الاحتجاجات بعنف، وفرضت قيودًا شديدة على حرية التعبير عبر مختلف التيارات السياسية والفكرية.


وكمعظم أبناء جيله، كان كاتب المقال أصغر من أن يختبر بصورة حقيقية الشعور بالقوة والنشوة اللذين صاحبا الانتفاضات، ولذلك تشكلت رؤيته السياسية في ضوء تداعيات تلك الأحداث بدلًا من أجواء الانتفاضة نفسها.


وحمل كثير من أبناء الجيل Z ذكريات شخصية عميقة عن الربيع العربي، بينها الإطاحة بحسني مبارك، ومقتل معمر القذافي، والأمسيات العديدة التي شهدت نقاشات عائلية محتدمة حول الانتخابات الرئاسية والاستفتاءات الدستورية.


لكن تلك التجربة لم تصنع جيلًا متجانسًا؛ فقد اختلف تأثيرها بصورة كبيرة باختلاف الطبقة الاجتماعية والتعليم والموقع الجغرافي وغيرها من العوامل.


ويظهر ذلك في الطريقة المختلفة التي تعامل بها أفراد من عائلتين ينتمي إليهما الكاتب مع التطورات السياسية. فقد نظرت عائلة والده، القادمة من القاهرة، إلى الأحداث من منظور أكثر «ليبرالية»، مع تعاطف أكبر مع الأفكار العالمية والحريات الفردية، بينما تبنت عائلة والدته، التي تنحدر من ريف دلتا النيل، معتقدات دينية واجتماعية وسياسية تقليدية بعمق.


وأظهرت نشأة الكاتب في عائلة شارك عدد من أفرادها في الثورة من معسكرات أيديولوجية مختلفة، منذ سن مبكرة، مدى اتساع وتنوع الأحلام والطموحات التي دفعت إلى اندلاع ثورة 2011.


القمع لم يلغِ الوعي السياسي لدى الجيل Z

 

وشاهد أبناء الجيل Z هذه الأحلام تتلاشى وسط الإغلاق الشامل للمجال السياسي في مصر. وأعادت وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الدولة صياغة رواية الثورة باعتبارها مرحلة من عدم الاستقرار والانهيار الاقتصادي، بينما تراجعت الإشارات إليها تدريجيًا في الأدب والفن والمظاهر العامة.


وأصبحت الذاكرة الجماعية للانتفاضات العربية أقل ارتباطًا بمطالب «الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية»، وأكثر ارتباطًا بالعنف والفوضى. وتحولت النقاشات العائلية والحوارات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتلفزيون إلى مواقف معادية للثورة.


وأصبحت الثورة كبش فداء لمختلف المشكلات الاقتصادية والسياسية، بينما غابت عن النقاش الأخطاء المستمرة التي ارتكبها أصحاب السلطة.


ولم يساعد في ذلك أيضًا ذهاب أبناء هذا الجيل إلى المدارس والجامعات إلى جانب مئات الآلاف من الطلاب السوريين والليبيين والسودانيين الذين نزحوا بسبب الصراعات وحالات عدم الاستقرار التي أعقبت الانتفاضات في بلدانهم.


وعززت هذه التجارب، إلى جانب القمع والدعاية، الوصمة المرتبطة بالثورة وبالحشد السياسي عمومًا.


لكن هل يعني ذلك أن الجيل Z المصري غير سياسي؟


تخلط مثل هذه الادعاءات بين غياب المجال السياسي وغياب الإرادة السياسية. فقد طور الجيل الذي قاد الربيع العربي وعيه السياسي في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، في ظل ظروف كانت لا تزال تسمح بظهور حركات احتجاجية مثل «كفاية» وحركة شباب 6 أبريل، إلى جانب تنظيم العمال والتدوين والتعبير العلني عن المعارضة.


وقال عبد الله ناصف، المحلل السياسي المصري ومقدم «بودكاست التحرير»، إن كثيرًا من أبناء الجيل Z في مصر شهدوا كيف واجهت السياسة الثورية في نهاية المطاف قبضة أمنية حديدية، ولذلك يحاول كثيرون منهم بصورة غريزية تجنب أي شيء قد يقود إلى النتيجة نفسها.


وتختصر هذه الديناميكية في سؤال بسيط: لماذا يخاطر الإنسان بحياته ومصدر رزقه من أجل استراتيجية سياسية فشلت في تحقيق أهدافها، حتى عندما كان المجال السياسي أكثر انفتاحًا نسبيًا؟


من المقاطعة إلى وسائل التواصل.. أشكال جديدة للمشاركة السياسية


اختار كثير من أبناء الجيل Z بدلًا من ذلك الانخراط في القضايا السياسية والاقتصادية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من دون دفع الثمن المحتمل والمدمر للسياسة الثورية.


وتقدم حملات المقاطعة الواسعة التي قادها الجيل Z في مصر احتجاجًا على الهجوم الإسرائيلي على غزة مثالًا واضحًا على ذلك. واستهدفت الحملات شركات يُنظر إليها باعتبارها مرتبطة بصورة مباشرة بإسرائيل، ودعت المصريين في الوقت نفسه إلى استخدام البدائل المحلية.


وساهمت هذه الحملات في زيادة كبيرة بمبيعات علامات تجارية مصرية، مثل مشروب «سبيرو سباتس». ورغم أن المقاطعة الاقتصادية ليست جديدة على التاريخ السياسي المصري، فإن دور الجيل Z في إحيائها والترويج بنجاح للبدائل المصرية للعلامات التجارية العالمية يكشف عن وعي سياسي واضح لدى هذا الجيل.


وفي الوقت نفسه، أصبح أبناء هذا الجيل أكثر وعيًا بالانقسامات الطبقية التي تشكل واقعهم. وظهر على الإنترنت تمييز شائع بين «Egypt» و«Masr»، أي الاسم الإنجليزي لمصر واسمها العربي.


ويشير مصطلح «Egypt» في هذا الاستخدام إلى الطبقة شديدة الثراء التي تستعرض مجتمعاتها السكنية المغلقة ومدارسها الخاصة وإجازاتها الصيفية في الساحل الشمالي عبر الإنترنت، بينما يشير «Masr» إلى بقية المجتمع، أي الأشخاص الذين يكافحون مع ارتفاع الأسعار، ويعيشون في أحياء مهملة، ويعتمدون على وسائل النقل العام.


وأصبح هذا التقابل تعبيرًا شعبيًا عن اتساع الفجوة الاجتماعية وعدم المساواة في الوصول إلى الكرامة والتنقل والأمان.


وزادت منصات مثل «إكس» و«تيك توك» من حدة هذا الوعي، إذ تضع مظاهر حياة النخبة المترفة والصعوبات الاقتصادية اليومية في واجهة واحدة داخل المحتوى الذي يراه المستخدمون.


وعبر أبناء الجيل Z عن إحباطهم بصورة غير مباشرة، من خلال الميمز والتعليقات الساخرة من الاستهلاك المفرط والسلوكيات المتعالية المرتبطة بصورة «Egypt».


ويحمل هذا المستوى من الوعي والنشاط غير المباشر طابعًا سياسيًا واضحًا، ويكشف عن مرونة يستخف بها المشككون في هذا الجيل.


وسيكون من الخطأ وصف الجيل Z بأنه جيل سلبي. فإذا انفتح المجال السياسي بصورة أكبر، فقد تؤدي المرونة التي اكتسبها هذا الجيل، واتصاله الفائق بالعالم الرقمي، وقدرته على ابتكار أشكال جديدة من المشاركة الاقتصادية، دورًا مهمًا في مستقبل مصر السياسي والاقتصادي.


وفي مواجهة الانتقادات التي تطالب الجيل Z بحمل «شعلة» ثورة 2011، يمكن اختصار موقف هذا الجيل في رسالة واضحة: قد يختلف أسلوبه السياسي عن أسلوب شباب الربيع العربي، لكن ذلك لا يعني أنه يقف خارج المشهد السياسي أو لا يهتم بمستقبل بلاده.

 

https://timep.org/2026/08/25/rethinking-political-apathy-among-egypts-gen-z/